اتبع الشق 

هذه الشقوق مِلء الأرض وأسقف الغرفة والحائط إذا تتبعتها مؤكدٌ أنها ستدلك على مخرج، ستأخذ بيدك بكل لطف وتنظر في عينيك الحائرتين قائلة: لا بأس عليك.. لا بأس عليك.. سنجد النور سويا.. قريبا. 

تتبعتها وكدت أفقد صبري لطول وعرض مد الشقوق وتفرعها، قلت: كيف لها أن تميز طريق النور عن الظلال وكلاهما يتعارضان تاره ويتقابلان! غير أني بقيت في حالة استسلام، إذ وجدت في ثناياها الرشاد وهدى واطمئنان غير مسبوق، وربما شيء من العطف.. لم يكن حب، شيءٌ في خباياها يريب غير أنه غموضٌ حميد، لم أشأ أن أعيره ذاك الاهتمام أو أعطيه أكبر من حجمه، تركت تلك الخطوط الأرضية تقودني حيث تريد. 

كانت لدي خطة بل مجموعة خطط لكنني عندما تتعدد البدائل المتاحة أقف في حيرة أيهما أبذل فيه وقتي وجهدي ومالي؟ وقد تأخذ ‘علامة الإذن التيسير’ أشكالا منها تلك الشقوق لتكون بمثابة إشارات تدلنا لأنسب طريق. 

Advertisements

أوراق مغترب

عدت وقد حسبت أن المحيط قد تغير كما يغيرنا الزمان؛ أكثر نضجا وانفتاحا وأريحية لكني وجدت عناوين الصحف هي هي والنصوص هي هي وأفكارهن نفسها…

إلى مقعد الطائرة جلست أنتظر بفارق الصبر لحظة الوصول ولأنني أستعجل المستقبل، ولأنني لا أسترق النظر للخلف.. أردت وبكل قوة أن أصل بيتي كي أجد مستقر بعد أسابيع طوال من التخطيط والسعي.. شاء القدر أن تجاورني مسافرة امرأة أعمال مبادرة، صوتها عال جدا في نقاش حاد جدا بينها وبين منافس على خفض أو رفع سعر المنتج، وهكذا لم تتغير موجة الحديث، أسطوانة تدور وتكرر نفسها مرة بعد مرة نبرة ترتفع ثم تتسائل ثم لا تنخفض، أظهر مجاوريها الركاب التعب.. متى نقلع حتى ينقطع على أثره خط الهاتف! شيءٌ واحدٌ أضافته لي هذه المرأة وتأكد لي أني وإن كنت قد خرجت من رحم تُجار إلا أني أختار ألا أكون منهم رغبة مني.

أعرف مرادي وإن خالفني الأقربون.. أعرف اتجاهي وإن لم يوافقني شخص مؤمن بسعة قدراتي ومهاراتي.. أشعر بأني بعد أن اختبرت كل ما سبق – أشعر أنه من الحماقة الإصرار فقط لإرضاء الناس والمجتمع!

كتبت أمنياتي طفلة صغيرة تقبع فيي كنت في الماضي لا أعيرها اهتماما لكني اليوم بعد سنوات طوال أستمع لها منصته أدوّن أمانيها حرف حرف بماء عيني ثم أردد قراءة ما كتبت كل ليلة كصلاة.. بقلب خاشع.. علها تجاب.. أعرف أنها ستجاب. 

 

أوراق مغترب، رحلة الدوحة/ الكويت. 

أوراق مغترب

في عينيه فضول الأطفال؛ وكأنه في بحثٍ دائم لحل لغز عظيم وإذا ما استعصى الأمر حدث نفسه بصوت مسموع مستخدما أدوات الاستفهام كلها يسأل نفسه، فقط نفسه!

بينما نحن في طريقنا لاجتماع وسط المدينة قال: ‘فوضى مرور.. لن نصل بالموعد’، وهو كذلك كما ذكر؛ بيننا وبين الموعد عشر عشر مركبات وشرطي مجتهد وتذمر زميلي ‘إيان’! ولم أحسبه يترك الشكوى واستعراضه لحلول ‘ذكية’ يتحايل بها على الازدحام حتى استوقفتني كلمة زوجته ‘جاكي’ همست في أذني سرا حينما كنا في انتظار موعد اقلاع طائرتنا المتجهة إلى الهند. قالت ‘لن يهدأ وسيظل يتفقد أمتعته و.. و.. حتى أشغله في أمر غيره’ ثم وجهت الخطاب نحوه ‘عزيزي هلا أحضرت لنا ما يروينا؟’. ففعلت كما فعلت هي، وصببت تساؤلاتي المختلفة عليه صبا فلم يمانع حتى دارت دفة الحوار وخضنا في ألف حديث غيره، ولأني أفضل سماع القصص على كنوز الأرض الخام والذهب تمنيت أن لا نبلغ مقصدنا وأن يستمر في رواية القصص؛ بريطانيا الباردة حد التعب – كما وصف – وغيرها.. ‘اسمعي ثلاث مواقف في حياتي كانت عبر’ كما قال.

إيان مثقل بأسئلةٍ لا نهاية لها عن عادات وقيم أهل البلد، ذكر في مقال كتبه بمناسبة مرور عام له في الشرق الأوسط قال: ‘ألفت إيقاع اللغة العربية.. الشمس.. منظر الرجال بالثوب الأبيض والنساء بالأسود’… يقول مضيفا: ‘لا أفتقد تغير فصول السنة في بريطانيا ولا حتى الأمطار ولا المساحات الخضراء مد البصر’.

ملاحظة غير مهمة جدااااا: بعد 27 سنة زواج مازالت زوجته في نظره الأجمل بين النساء ويفخر بالحديث عنها وعن انجازاتها. 

أوراق مغترب، الدوحة، قطر.